أبي الفرج الأصفهاني
325
الأغاني
جرير لا ينام حتى يفرغ من قصيدة يهجوه بها فانصرف جرير مغضبا حتى إذا صلَّى العشاء ومنزله في علَّيّة قال : ارفعوا إليّ باطية من نبيد ، وأسرجوا [ 1 ] لي ، فأسرجوا له وأتوه بباطية من نبيذ فجعل يهيم فسمعته عجوز في الدّار ، فطلعت في الدّرجة حتى إذا نظرت إليه فإذا هو على الفراش عريان لما هو فيه ، فانحدرت فقالت : ضيفكم مجنون ، رأيت منه كذا وكذا ، فقالوا لها : اذهبي لطيّتك ، نحن أعلم به وبما يمارس ، فما زال كذلك حتّى كان السّحر فإذا هو يكبّر ، قد قالها ثمانين بيتا ، فلمّا بلغ إلى قوله : فغضّ الطَّرف إنّك من نمير فلا كعبا بلغت ولا كلابا فذاك حين كبّر ، ثم قال : أحزيته واللَّه [ 2 ] زيته وربّ الكعبة [ 3 ] أصبح ، حتى إذا عرف أنّ النّاس قد جلسوا في مجالسهم بالمربد ، وكان جرير يعرف مجلس الرّاعي ومجلس الفرزدق ، فدعا بدهن فادّهن [ 3 ] ، وكفّ رأسه ، وكان حسن الشّعر ، ثم قال : يا غلام [ 4 ] أسرج لي ، فأسرج له حصانا ، ثمّ قصد مجلسهم ، حتّى إذا كان بموضع [ 5 ] السّلام لم يسلَّم ، ثم قال : يا غلام ، قل لعبيد / الرّاعي : أبعثتك نسوتك تكسبهنّ المال بالعراق ؟ والذي نفس جرير بيده ، لترجعنّ [ 6 ] إليهنّ بما يسوءهن ولا يسرهن ثم ندفع في القصيدة فأنشدها ، فنكَّس الفرزدق رأسه ، وأطرق راعي الإبل ، فلو انشقّت له الأرض لساخ فيها ، وأرمّ القوم [ 7 ] ، حتى إذا فرغ منها ، سار ، فوثب راعي الإبل من ساعته [ 8 ] فركب بغلته / بشرّ وعرّ [ 9 ] ، وتفرّق أهل المجلس ، وصعد الرّاعي إلى منزله الذي كان ينزله ، ثم قال لأصحابه : ركابكم ركابكم ، فليس لكم هاهنا مقام ، فضحكم واللَّه جرير فقال له بعضهم : ذلك شؤمك وشؤم جندل ابنك ؛ قال : فما اشتغلوا بشيء غير ترحّلهم ، قالوا : فسرنا واللَّه إلى أهلنا سيرا ما سراه أحد ، وهم بالشّريف [ 10 ] ، وهو أعلى دار بني نمير ، فحلف راعي الإبل أنّهم وجدوا في أهلهم قول جرير : فغضّ الطَّرف إنّك من نمير يتناشده النّاس ، وأقسم باللَّه ما بلغه إنسان قطَّ ، وإن لجرير لأشياعا من الجنّ فتشاءمت به بنو نمير ، وسبّوه وسبّوا ابنه ، فهم إلى الآن يتشاءمون بهم وبولدهم . أخزيته واللَّه وأخبرني بهذا الخبر عمّي قال : حدثنا الكرانيّ ، قال : حدّثني النّضر بن عمرو ؛ عن أبي عبيدة بمثله أو نحو
--> [ 1 ] خد : « وأسرجوا لي ففعل به ذلك وجعل يهيم » . ( 2 - 2 ) تكملة من ف ، خد . [ 3 ] ب ، س : « فادهن وأصلح وجهه ، وكان حسن الشعر » وفي خد : « فادهن وكشف رأسه » . [ 4 ] ب ، س : « يا غلام أسرج ، فأسرج له حصانا » . [ 5 ] خد : « بموقع السّلام » . [ 6 ] ب ، س : « لتؤؤبن إليهن بمير بسوء ولا يسرهن » . [ 7 ] « القاموس » : « أرم : سكت » . [ 8 ] « من ساعته » : تكملة من ف ، خد . [ 9 ] العر : الشدة . [ 10 ] في « معجم البلدان » ( الشريف ) . . « قال أبو زياد : أرض بني نمير الشريف دارها كلها بالشريف إلا بطنا واحدا باليمامة يقال لهم : بنو ظالم بن ربيعة » .